ابن أبي أصيبعة
326
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وذكر جالينوس في كتابه في محنة الطبيب الفاضل ، ما هذا حكايته . قال : إنّي منذ صباى تعلمت طريق البرهان ، ثم إنّي لما ابتدأت بعلم الطب رفضت اللذات ، واستخففت بما يتنافس فيه « 1 » من عرض الدنيا ورفضته ، حتى وضعت عن نفسي مؤونة البكور إلى أبواب الناس ، للركوب معهم من منازلهم ، وانتظارهم على أبواب الملوك للانصراف معهم إلى منازلهم وملازمتهم . ولم أفن دهري وأشقى نفسي في هذا التطواف على الناس الذي يسمونه تسليما . لكن أشغلت نفسي دهري كله ، بأعمال الطب والرؤية والفكر فيه . وسهرت عامة ليلى في « تقليب الكنوز التي خلفها » « 2 » القدماء لنا . فمن قدر أنه يقول أنه فعل مثل هذا الفعل الذي فعلت ، ثم كانت معه طبيعة ذكاء وفهم سريع ، يكن معها قبول هذا العلم العظيم ، فواجب أن [ يوثق ] « 3 » به قبل أن نجرب قضاياه وفعله في المرضى ، ويقضى عليه بأنه أفضل ممن ليس معه ما وصفنا ، ولا فعل ما عددناه . وبهذه الطريق سار رجل من رؤساء الكمريين إلىّ عند رجوعي إلى مدينة من البلدان التي كنت [ أرغب ] « 4 » إليها ، على أنه لم يكن تم لي ثلاثون سنة ، إلى أن ولاني جميع [ علاج ] « 5 » المجروحين من المبارزين في الحرب ، وقد كان تولى أمرهم قبل ذلك رجلان أو ثلاثة من المشايخ . فلما أن سئل ذلك الرجل عن طريق المحنة التي امتحنني بها ، حتى وثق فىّ فولاني أمرهم . قال : إنّي رأيت الأيام التي أفناها هذا الرجل في التعليم ، أكثر من الأيام التي أفناها غيره من مشايخ الأطباء في [ تعلم ] « 6 » هذا العلم . وذلك أنى رأيت أولئك يفنون أعمارهم فيما لا ينتفع به ، ولم أر هذا الرجل يفنى يوما واحدا ولا ليلة من عمره في الباطل ، ولا يخلو في يوم من الأيام ولا في وقت . من الأوقات من الارتياض فيما ينتفع به . وقد رأيناه أيضا فعل أفعالا قريبة « 7 » ، هي أصح في [ الدلالة ] « 8 » على حذقه بهذه الصناعة من سنى هؤلاء المشايخ . وقد كنت حضرت مجلسا عاما من المجالس التي يجتمع فيها
--> ( 1 ) ساقط في ج ، د ( 2 ) في ج ، د « تقلب . . . خلفتها » . ( 3 ) في الأصل « يوافق » ، ج ، د « يوفق » والمثبت من م . ( 4 ) في الأصل « نرغب » والمثبت من ج ، د . ( 5 ) إضافة من ج ، د . ( 6 ) في الأصل « تعليم » والمثبت أولى من ج ، د . ( 7 ) في الأصل « قريبا » والمثبت من ج ، د ، م . ( 8 ) في الأصل « الدلائل » والمثبت من ج ، د ، م